محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فينا وليدا ، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفسا ، وكفرت نعمتنا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يقول : كافرا للنعمة لأن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر . قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويل الآية ، لأن فرعون لم يكن مقرا لله بالربوبية وإنما كان يزعم أنه هو الرب ، فغير جائز أن يقول لموسى إن كان موسى كان عنده على دينه يوم قتل القتيل على ما قاله السدي : فعلت الفعلة وأنت من الكافرين ، الإيمان عنده : هو دينه الذي كان عليه موسى عنده ، إلا أن يقول قائل : إنما أراد : وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى ، على قولك اليوم ، فيكون ذلك وجها يتوجه . فتأويل الكلام إذن : وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك ، وإحساننا إليك في قتلك إياه . وقد قيل : معنى ذلك : وأنت الآن من الكافرين لنعمتي عليك ، وتربيتي إياك . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ يقول تعالى ذكره : قال موسى لفرعون : فعلت تلك الفعلة التي فعلت ، أي قتلت تلك النفس التي قتلت . إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ يقول : وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله علي . والعرب تضع من الضلال موضع الجهل ، والجهل موضع الضلال ، فتقول : قد جهل فلان الطريق وضل الطريق ، بمعنى واحد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال : من الجاهلين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال ابن جريج : وفي قراءة ابن مسعود : " وأنا من الجاهلين " . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال : من الجاهلين . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ فقال موسى : لم أكفر ، ولكن فعلتها وأنا من الضالين . وفي حرف ابن مسعود : " فعلتها إذا وأنا من الجاهلين " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قبل أن يأتيني من الله شيء كان قتلي إياه ضلالة خطأ . قال : والضلالة هاهنا الخطأ ، لم يقل ضلاله فيما بينه وبين الله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ يقول : وأنا من الجاهلين . وقوله فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ الآية ، يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل موسى لفرعون : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ معشر الملأ من قوم فرعون لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلوني بقتلي القتيل منكم . فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً يقول : فوهب فوهب لي ربي نبوة وهي الحكم . كما . حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط عن السدي : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً والحكم : النبوة . وقوله : وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ يقول : وألحقني بعداد من أرسله إلى خلقه ، مبلغا عنه رسالته إليهم بإرساله إياي إليك يا فرعون . القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ فِرْعَوْنُ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ يعني بقوله : وَتِلْكَ تربية فرعون إياه ، يقول : وتربيتك إياي ، وتركك استعبادي ، كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها علي بحق .